أربعون

مارس 27th, 2007 كتبها مروان الغفوري نشر في , كرسي الكلمة, كرسي ليال

أربعون

ليال،..

اليوم الأربعون لسفرِك الأخير.

قبل أربعين يوماً كان عنوانك الدائم على المسنجر : (أريد أن أرمي بكل المسافات، أنتضي حلمي وأمضي كما نجمٍ منفلت. أبحثُ عن حفنة من تراب تسكنُ بي أو أسكن فيها .. أسميها وطناً)

وبعد أربعين يوماً ، يغدو العالمُ ضيّقاً مثل خُرم إبرة ، أو كمثل الروح .. كما كنتِ تقولين يا صغيرتي.

 كأنّك لم تسافري، هكذا يبدو العالمُ. وكأننا لم نكُن هُنا، يوماً ، نعُد الشعراء الجيّدين والقصائد الرديئة، ونفترضُ حياةً أكثر عدلاً .. كأنك لم  تكوني تسألينني كل يوم : يا أمير الفقراء، حدّثني عن أول الضوء.

وكأنني لم أكنُ أهربُ إلى آخر الكلام، يا ليال.

ركضنا ، متعبين كأعمدة الإنارة ، حتى اللحظة الأخيرة، عندما تكسّرت أول مدامع الخريف في عيني داليا، وارتعشتْ أصابع شقيقك القوي، لأول مرّة . لقد تركتِ خلف صورةٍ ، تعرفينها ،  مندسة جوار مصحفٍ صغير، كان زوّادتك وأرضاً خضراء على عنقك : ( قرين الروح إليك أسرجتُ قلبي، وألف دربٍ أمدّها لظلك) . وعندما سقط من عنقك، وتوهّجت عيناك بلحظتيهما الأخيرة، اختنق الجميعُ بالوجع، وكنتُ الوحيدَ الذي يصعد معك إلى السماء، ويسلّمك إلى الخلد، كما ينبغي لقرين الروح أن يفعل ، يا ليال.

إيه يا ليال ..

من أين آتي الآن إلى أول الأمكِنة؟ وكيف سأتعرّف على ضحكتي القديمة؟ أبدو غريباً بين الناس، فقد نسيتُ كل شيء تقريباً .. وباستثناء مهزومٍ يسقط في الكلام، بالإمكان القول أنه أنا ، فلا شيء آخر يقول أنني أنا.

ولا شيء آخر يمكن أن يكون أنتِ، كذلك.

في واحدٍ من أسفارك إلى أمريكا ، كنتُ أعد أيّامي المهجورة، وأكتبُ على صدري قليلاً من الشعر، في انتظار نبوءة عينيك، بالعودة. وفي سفرك الأخير، الشاسع، فشلتُ في أن أعد أيامي. ولكي أستوعِب فكرة أن الحب بالإمكان أن يتناثر ، كمسافرين فقراء في عربة تالفة ، فقد اتجهتُ إلى المسجد. ما زلتُ هُناك، أبحثُ عن معانٍ تشبهك  وأتوسّل بالذي تحبّينه، معبودك الأسمى، للذين أحبّهم " الفقراء و الرعيان".

يا ليال،

منذ أيّام "مرَقَ " عيد الآُم. وبينما كنّا نتذكرك ونخالطُ أحاديثنا لكي لا يسقطُ أحدُنا في منتصف اليوم ، أمّك كانت الوحيدة التي تنتظر حضورك المادي كالعادة. لم يكن خيال والدك المهدّم قادراً على استيعاب خطئه. فقد قدّم لأمك هدية عليها اسمك : هذه من ليال. جلس على حافة سرير أمّك المريضة، كأنه يقول : ليال تنتظرنا غداً، وأنتِ تعلمين أنّ أمّك لم تكن لتتحدّث معك إلا عن البارحة، دائماً.ابتسمت، أمك ، كما يفعل الحياء في وجوه صبايا الإعدادية. وبلكنتها الفرنسية: خلوها تدخل، بدي شوفا. و .. تكدّست عيناها على باب الغُرفة لوهلة. كنتِ قريبةً جدّاً منها، وغائمة في قلبي .. قلبي يا ليال، هذا المليء بسحابات غبراء، ومطرٍ محترق. هرّبنا أعيننا في اتجاه فراغ سميك يملأ أجسادنا، لننجو من نكسة وشيكة ، وتركناها تقبّل اسمَك وتناجيك بأكثر الألحان نعومة في صوتك : سألوني الناس عنك يا حبيبي، كتبوا المكاتيب وأخدها الهوا بيعز علي غني يا حبيبي، لأول مرة ما بنكون سوا.

غداً ، بعد صلاة الفجر سالت قدماي حتى البلكونة ..

قلتُ لنفسي : لو خبّرتني هذه الشجرة الغريبة أنها ليال، سأنفقُ ما تخبّأ من عمري معها.

ولأني أتذكّر

المزيد


محبرةٌ جائعة .. وأوراق مبعثرة.

مارس 23rd, 2007 كتبها مروان الغفوري نشر في , كرسي الكلمة

أمير الفقراء

جاءني فارغ اليد مليء القلب..زنّرني بقصائد عرّشت في شراييني….وعدني أن يحملني يوما إلى حقول قريته..وأن يغمر عنقي بعقد من خرز ملّون في خزانة أمه…ولرأسي تاج من الزنابق البرية….. ويحبك لي أرجوحة من خيطان قلبه حين تهفو المواعيد لعيد.


ظلام يتهاوى على كاحل الليل..قمر يموء أمام النافذة…محبرة جائعة وأوراق مبعثرة..فارس في غرفة مهجورة كقفص انتظار وحبيبة نائية… كفّها نحلة ذاوية في زاوية فصل قاس…عيناها بركتان جافتان تناثر الملح على أطرافهما.

على مرمى دمعة من القلب شمس تفك أزرار العتمة وتلملم نتف الليل عن دروب الرحيل … تسحقني وطأة الفراغ ويؤلمني جرح الذاكرة… يسكنن

المزيد


نبوءة الشعر.

مارس 21st, 2007 كتبها مروان الغفوري نشر في , كرسي الكلمة

الشعر رسالة حضارة يتوصل إليها بالمواقف والأحداث من خلال تزاوج بين اللفظ والمعنى ، وبما أن اللغة هي أداة الشاعر في التعبير فلا بد له من الوقوف على طبيعتها واستيعاب خصائصها الفنية من موسيقى رقراقة وخيال بديع وتصوير دقيق وتنسيق وألفاظ تثبت المعنى الذي يعدّ كالجوهر في الصدفة لا يبرز إلا أن نشقّها عنه.


وقد سمي الشعر بديوان العرب أي مكانهم الجامع ورابطتهم ، ومع تطور تاريخ العرب على امتداد القرون والأجيال وتغير عاداتهم وأفكارهم وأحاسيسهم تغير الشعر وأدواره، لكنه سيبقي دائما رحلة الأمكنة والأزمنة التي تحاكي الوجود الإنساني رؤيا وخلق، وكأنه هجعة الأوتار الملفوفة بترانيم خارجة من بقايا الصوت حبا وبوحا ووجعا يرتسم تكوينات فنية ومواسم خير تفتح النوافذ في جسد العالم.

قال رينيه شار "أن يكون المرء شاعرا هو أن يمتلك الشهية لقلق يؤدي الانتهاء من استهلاكه إلى الغبطة وسط زوابع الأشياء الموجودة والمهجوسة كلها.

وقد سار الشعر العربي في خطوط متعرجة تبعا للإيقاع الحضاري بدءً بعصور الجاهلية، ومرورا بعصور الحضارة العربية والإسلامية، ثم مرحلة انكسار الشعر وغيابه عن الوعي في عصور الظلام العثماني، وحتى عصر النهضة الحديثة للأدب العربي.

أهتم شعراء عصور الجاهلية بعناصر الشكل من ألفاظ ذات جرس قوي وأساليب بلاغية من تشبيه واستعارة ومجاز نشمّ فيها روح البداوة وقيم الصحراء وسمات الإنسان العربي مثل الكرم والشجاعة والمروءة والفتوة. أما في عصور الحضارة العربية والإسلامية فقد تم تسخير الشاعر بجدارة ليصدح للقبيلة والخليفة والحاكم ، فتغلب شعر الأهواء على شعر الآراء، أما أولئك الشعراء الذين اتصلوا بعالم السياسة المتقلب مثل الصعاليك وإبراهيم بن المهدي وبشار وابن المعتز وغيرهم كثير فقد عوقبوا إما بالخلع والنفي وإهدار الدم أو القتل والصلب، فقدم لنا الشعراء شعرا يكرس الصمت واليأس والخوف والسوداوية ولا يسير إلا في الطرق الآمنة، ومن الشعراء من قتله شعره مثل المتنبي وعمرو بن كلثوم ، ووجد الشعر نفسه مثل بطل الماراثون الذي مات قبل الوصول إلى أثينا بساعة لكنه ظل يعدو ليعلن انتصار الإغريق.

أما في العصر المملوكي فقد انقسم الشعراء إلى قسمين ، القسم الأول شمل شعراء البلاط وأصحاب العمائم الذين اتجهوا لمدح السلاطين وعلية القوم الذين غلبت على أشعارهم الزينة اللفظية والمحسنات البديعية والتورية والجناس مثل قول الشيخ شرف الدين محمد بن عثمان :

"إن شعري قد حطّ شعري حتى..صار قدري كمثل قدر الهلال

وشمل القسم الثاني شعراء الصوفية الذين اتجهوا إلى المدح النبوي إما بسبب حرمانهم من عطاء الملوك والأمراء أو لابتعادهم عن فساد الدنيا ولجوئهم إلى الدين .

وعندما ساد نظام الإقطاع والإرهاب والفتك والخوف في العصر العثماني الذي جعل اللغة التركية هي اللغة الرسمية ، كسدت سوق العلم والأدب مثلما كسدت سوق التجارة والصناعة والزراعة وانهزمت العربية أمام صنوف الفساد ، وشمل العجز والضعف الشعر فعمد الشعراء إلى اجترار معاني الأقدمين وتقليدها دون إحساس ضمّ مو

المزيد


أحبك أكثر من وطني.

مارس 21st, 2007 كتبها مروان الغفوري نشر في , كرسي الكلمة

كل عيد في تلاوة الضوء أنت :

 

 

ها أنت كثير كأنك البشر ،
و ضيّقٌ كأنك العالم ،
و خائف كأنك قصائدي التي لم تكتمل .

على مفرق الحلم لحظة عشق
ولدت في فيض توهجها نجوم
تسطع فوق كلّ العلامات .

حين أطلق في قسماتك أوقاتي
تشرد أصابعي في غدك
وتهدأ أحلامي كثيراً ،
في وعي لحظة لا أحسن البكاء أمامها كما يجب .

و حين تمسح شعري بكم الشمس
وتنمو زهور غائبة بمدائن عيني
أغفر للزمان يباسه
وأحياك قصيدة من أفراح الحصاد .

مر هكذا ، كما تفعل السماء .. كل عام

المزيد


يا غرة في جبين الكون.

مارس 21st, 2007 كتبها مروان الغفوري نشر في , كرسي الكلمة

 دعوة إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام

نحن يا دعوة إبراهيم 

ما زلنا نصوم و نصلي ، 

لكننا : 

 نقرب الصلاة سكارى  

نكرع الذل ولا نرتوي من مائه 

وندفن الدم المضرج بالحرية ، 

كي لا نصاب بالضجر 

 

 

الدين في وطني غريب الدار 

            ( صار ضيفاً للريح )

خاطوا فراغاً على مقلتيه

 بينما تقدد شوقه في جذوره 

لرجفة شتاء في ذؤابة مطر


المزيد


غيمة .. غيمتان ..

مارس 16th, 2007 كتبها مروان الغفوري نشر في , كرسي الكلمة

يقول البحر "إن ألمي واسع بحجم خلودي..لكن وجهي جميل ومراياكم حجر



الشمس

إناء ضوء يتحرك كأخطبوط في مياه السماء..ويكسره الفجر حول البيوت

البرق

شهقة ضوء تطوق جيد غيم يمزقه الرعد.. فيسجّ دموعا تركع عند أقدام الشمس

المطر

خيط يفلت من رتق السماء والأرض

البحر

قطة بمخالب من زبد.. من نواحها يتشكل المدّ والجزر

الحصى

جثث قذفها البحر

المزيد