أربعون
ليال،..
اليوم الأربعون لسفرِك الأخير.
قبل أربعين يوماً كان عنوانك الدائم على المسنجر : (أريد أن أرمي بكل المسافات، أنتضي حلمي وأمضي كما نجمٍ منفلت. أبحثُ عن حفنة من تراب تسكنُ بي أو أسكن فيها .. أسميها وطناً)
وبعد أربعين يوماً ، يغدو العالمُ ضيّقاً مثل خُرم إبرة ، أو كمثل الروح .. كما كنتِ تقولين يا صغيرتي.
كأنّك لم تسافري، هكذا يبدو العالمُ. وكأننا لم نكُن هُنا، يوماً ، نعُد الشعراء الجيّدين والقصائد الرديئة، ونفترضُ حياةً أكثر عدلاً .. كأنك لم تكوني تسألينني كل يوم : يا أمير الفقراء، حدّثني عن أول الضوء.
وكأنني لم أكنُ أهربُ إلى آخر الكلام، يا ليال.
ركضنا ، متعبين كأعمدة الإنارة ، حتى اللحظة الأخيرة، عندما تكسّرت أول مدامع الخريف في عيني داليا، وارتعشتْ أصابع شقيقك القوي، لأول مرّة . لقد تركتِ خلف صورةٍ ، تعرفينها ، مندسة جوار مصحفٍ صغير، كان زوّادتك وأرضاً خضراء على عنقك : ( قرين الروح إليك أسرجتُ قلبي، وألف دربٍ أمدّها لظلك) . وعندما سقط من عنقك، وتوهّجت عيناك بلحظتيهما الأخيرة، اختنق الجميعُ بالوجع، وكنتُ الوحيدَ الذي يصعد معك إلى السماء، ويسلّمك إلى الخلد، كما ينبغي لقرين الروح أن يفعل ، يا ليال.
إيه يا ليال ..
من أين آتي الآن إلى أول الأمكِنة؟ وكيف سأتعرّف على ضحكتي القديمة؟ أبدو غريباً بين الناس، فقد نسيتُ كل شيء تقريباً .. وباستثناء مهزومٍ يسقط في الكلام، بالإمكان القول أنه أنا ، فلا شيء آخر يقول أنني أنا.
ولا شيء آخر يمكن أن يكون أنتِ، كذلك.
في واحدٍ من أسفارك إلى أمريكا ، كنتُ أعد أيّامي المهجورة، وأكتبُ على صدري قليلاً من الشعر، في انتظار نبوءة عينيك، بالعودة. وفي سفرك الأخير، الشاسع، فشلتُ في أن أعد أيامي. ولكي أستوعِب فكرة أن الحب بالإمكان أن يتناثر ، كمسافرين فقراء في عربة تالفة ، فقد اتجهتُ إلى المسجد. ما زلتُ هُناك، أبحثُ عن معانٍ تشبهك وأتوسّل بالذي تحبّينه، معبودك الأسمى، للذين أحبّهم " الفقراء و الرعيان".
يا ليال،
منذ أيّام "مرَقَ " عيد الآُم. وبينما كنّا نتذكرك ونخالطُ أحاديثنا لكي لا يسقطُ أحدُنا في منتصف اليوم ، أمّك كانت الوحيدة التي تنتظر حضورك المادي كالعادة. لم يكن خيال والدك المهدّم قادراً على استيعاب خطئه. فقد قدّم لأمك هدية عليها اسمك : هذه من ليال. جلس على حافة سرير أمّك المريضة، كأنه يقول : ليال تنتظرنا غداً، وأنتِ تعلمين أنّ أمّك لم تكن لتتحدّث معك إلا عن البارحة، دائماً.ابتسمت، أمك ، كما يفعل الحياء في وجوه صبايا الإعدادية. وبلكنتها الفرنسية: خلوها تدخل، بدي شوفا. و .. تكدّست عيناها على باب الغُرفة لوهلة. كنتِ قريبةً جدّاً منها، وغائمة في قلبي .. قلبي يا ليال، هذا المليء بسحابات غبراء، ومطرٍ محترق. هرّبنا أعيننا في اتجاه فراغ سميك يملأ أجسادنا، لننجو من نكسة وشيكة ، وتركناها تقبّل اسمَك وتناجيك بأكثر الألحان نعومة في صوتك : سألوني الناس عنك يا حبيبي، كتبوا المكاتيب وأخدها الهوا بيعز علي غني يا حبيبي، لأول مرة ما بنكون سوا.
غداً ، بعد صلاة الفجر سالت قدماي حتى البلكونة ..
قلتُ لنفسي : لو خبّرتني هذه الشجرة الغريبة أنها ليال، سأنفقُ ما تخبّأ من عمري معها.
ولأني أتذكّر













